, -

من فقه الدعاء وأسراره عند الإمام ابن القيم

المدونة

من فقه الدعاء وأسراره عند الإمام ابن القيم

يُعد الدعاء حبل الوصل الأعظم بين العبد وربه، وقد سطر العلامة ابن القيم رحمه الله في مؤلفاته قواعد وجواهر توضح للمسلم كيف يطرق باب السماء بأدب ويقين. إليكم خلاصة ما ذكره في أمهات كتبه:

أولاً: أسرار التوقيت (فقه القرب)

يرى ابن القيم أن الدعاء في صلب العبادة أبلغ من الدعاء بعدها، ومن ذلك:

  • داخل الصلاة: الدعاء قبل السلام (في التشهد) وفي السجود أفضل من الدعاء بعد الفراغ من الصلاة؛ لأن المصلي ما دام في صلاته فهو في مقام مناجاة وقرب من الله، فإذا سلم انقطعت تلك المناجاة الخاصة.

  • السجود: هو ركن الصلاة الأعظم وسرها، وبما أنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فإن الدعاء فيه هو الأجدر بالإجابة.

ثانياً: أسباب الإجابة و”الخلطة السرية” للقبول

وضع ابن القيم مواصفات للدعاء الذي “لا يكاد يُرد”، وهي أن يجتمع في الطلب:

  1. حضور القلب: بكليته وتركيزه على المطلوب.

  2. تحين الوقت: (الثلث الأخير، بين الأذان والإقامة، ساعة الجمعة، أدبار الصلوات).

  3. حال الداعي: الخشوع، الانكسار، الطهارة، استقبال القبلة، ورفع اليدين.

  4. أدب البدء: البدء بالحمد والثناء، ثم الصلاة على النبي ﷺ، ثم تقديم التوبة والاستغفار.

  5. قوة الطلب: الإلحاح، التوسل بأسماء الله وصفاته، وتقديم صدقة بين يدي الدعاء.

ثالثاً: مقامات الدعاء مع البلاء

الدعاء هو “سلاح المؤمن” في مواجهة المصائب، وله مع البلاء ثلاث حالات:

  • الغلبة: أن يكون الدعاء أقوى من البلاء فيدفعه ويرفعه.

  • التخفيف: أن يكون الدعاء أضعف من البلاء، لكنه يكسر حدته ويصبر العبد عليه.

  • المقاومة: أن يتقابلا فيمنع كل منهما الآخر.

رابعاً: آفات تمنع أثر الدعاء

قد يدعو الإنسان ولا يُستجاب له لعلل أهمها:

  • الاستعجال: أن يترك العبد الدعاء لأنه لم يرَ إجابة سريعة، مثله كمثل من غرس غرساً وسقاه، فلما أبطأ ثمره تركه وأهمله.

  • ضعف القلب: عدم الإقبال على الله بصدق، أو الدعاء بقلب غافل لاهٍ.

  • الموانع الشرعية: أكل الحرام، الظلم، وتراكم الذنوب (الرّين) على القلب.

خامساً: أسرار إخفاء الدعاء (المناجاة السرية)

أورد ابن القيم فوائد بديعة للدعاء الخفي (في النفس)، منها:

  • أنه أعظم في الإيمان واليقين بعلم الله.

  • أبلغ في الأدب والتعظيم (كحال ملوك الدنيا لا تُرفع الأصوات عندهم).

  • أدعى لـ الإخلاص وجمعية القلب، وأبعد عن المشوشات والحسد.

  • يدل على قرب العبد من ربه؛ فالمناجاة تكون للقريب لا للبعيد.

سادساً: التحذير من الاعتداء في الدعاء

الاعتداء هو تجاوز الحد، وصوره:

  • سؤال ما لا يجوز شرعاً (كالإعانة على محرم).

  • سؤال ما لا يفعله الله قدراً (كطلب الخلود أو رفع صفات البشرية).

  • الدعاء بقلب “مُدِلّ” (أي دعاء المستغني المعتدّ بنفسه، لا دعاء المسكين الذليل).


خلاصة الدرر: إن الله سبحانه لا يتبرم بإلحاح السائلين، بل إنه يحب المُلحين ويغضب إذا ترك العبد سؤاله، فالدعاء مفتاح كل خير، والصلاة على النبي ﷺ هي مفتاح هذا الدعاء.

تدوينات ذات صلة

هدي النبي ﷺ في الأذكار بعد الصلوات الخمس

يُسنّ للمصلي – رجلًا كان أو امرأة، إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا – إذا سلّم من الصلاة المفروضة أن يبدأ بالاستغفار ثلاث مرات، فيقول: «أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله»ثم يقول:«اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت

خطبة فضل ذكر الله تعالى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،

فضل الدعاء من احاديث خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم

فضل الدعاء وأركانه وآدابه وجوامعه الدعاء من أجلِّ العبادات وأحبها إلى رب البريات، وهو سمة العبودية واستشعار الافتقار لله والانكسار بين يديه والذلة. فضل الدعاء: الدعاء عبادة: قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ”. [رواه