, -

“لصوص الآجال.. وكيف تسرق سنوات إضافية من الزمن؟

المدونة

الأعمار بيد الله.. كيف تطيل عمرك وتُخلّد ذكرك؟

مقدمة: حقيقة الموت ويقين المسلم “الأعمار بيد الله”؛ حقيقة راسخة يتربى عليها الصغير والكبر، ويؤمن بها البشر على اختلاف مشاربهم. فالموت هو الحقيقة الكبرى التي لم ينكرها ملحد ولا مادي، وإن حاول الغرب عبر علومه إطالة الأمد أو تجميد الأجساد، إلا أنهم عجزوا عن كسر طوق الفناء.

أما المسلم، فنظرته للموت متميزة؛ إذ يراه جسراً للمرور من دار الفناء إلى دار البقاء، ويعتقد جازماً أن أجل الإنسان مكتوب وهو لا يزال جنيناً في بطن أمه، كما جاء في حديث الصادق المصدوق ﷺ، وأن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها.


إشكالية الزيادة في العمر: هل تطول الآجال؟

قد يتساءل البعض: إذا كان الأجل محدداً في القرآن الكريم بقوله تعالى: “فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ”، فكيف نفهم الأحاديث التي تحث على أعمال “تزيد في العمر”؟

أجاب العلماء عن ذلك بوجهين نيرين:

  1. الزيادة بالكيف (البركة): وهي أن يوفق الله العبد لاستغلال وقته في الطاعات، فينجز في عمر قصير ما لا ينجزه غيره في قرون، فيكون عمره طويلاً بإنتاجه لا بسنواته.

  2. الزيادة بالكم (القضاء المعلق): وهي زيادة حقيقية في صحف الملائكة؛ كأن يُكتب للملك: “عمر فلان 60 سنة، فإن وصل رحمه صار 70″، والله يعلم بعلمه الأزلي ما سيختاره العبد، فلا تغيير في علم الله، إنما التغيير في الصحف التي يقبض عليها الملأ الأعلى.


خمسة أعمال تمنحك “عمراً ثانياً”

لقد أرشدنا النبي ﷺ إلى طرق عملية لزيادة العمر ومباركة الأثر، ومن أهمها:

1. صلة الأرحام: وهي من أعظم أسباب سعة الرزق وتأخير الأجل، كما قال ﷺ: “من أحب أن يُبسط له في رزقه، وأن يُنسأ له في أثره، فليصل رحمه”. فالواصل لرحمه يبارك الله في وقته ويبقى ذكره حسناً بين أهله.

2. بر الوالدين والإحسان: البر هو جامع لكل خير، وقد ورد في الحديث: “لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر”. فالإحسان للوالدين يفتح أبواب السماء ويطيل في عمر العبد بالرضا والتوفيق.

3. تربية الأبناء تربية صالحة: الابن الصالح هو امتداد لوجودك؛ فكل تسبيحة يسبحها أو ركعة يركعها تصب في ميزانك. إن دعاءه لك بعد رحيلك هو الصلة التي لا تنقطع، وكأنه حياة إضافية مُنحت لك بعد الموت.

4. الصدقة الجارية: سُميت “جارية” لأن أجرها لا يتوقف؛ سواء كانت بئراً، مسجداً، أو مستشفى. وكما قال أبو الدرداء رضي الله عنه وهو يغرس شجرة وهو شيخ كبير: “ما عليّ أن يكون لي أجرها ويأكل منها غيري”.

5. توريث العلم النافع: تصنيف الكتب ونشر العلم هو أقوى الأعمال بقاءً؛ فالعالم يموت وتبقى كتبه ومؤلفاته تُرشد الناس لقرون، وكأنه لم يغادر الأرض أبداً.


خاتمة: الحياة لغيرك أطول

عندما نعيش لأنفسنا تبدو الحياة قصيرة تبدأ من ولادتنا وتنتهي بوفاتنا، أما عندما نعيش لغيرنا ولأجل غايات سامية، فإن أعمارنا تمتد من بداية الإنسانية إلى ما بعد رحيلنا. وكما قيل:

دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ … إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني فَاِرفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها… فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين.

تدوينات ذات صلة

فضل الدعاء من احاديث خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم

فضل الدعاء وأركانه وآدابه وجوامعه الدعاء من أجلِّ العبادات وأحبها إلى رب البريات، وهو سمة العبودية واستشعار الافتقار لله والانكسار بين يديه والذلة. فضل الدعاء: الدعاء عبادة: قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ”. [رواه

دعاء الإمتحان

دعاء الامتحان     يلجأ الإنسان في كل أمور حياته لله عز وجل، وخاصةً في أصعب ظروفه، لذلك عندما يشعر الطلاب بصعوبة الامتحانات لن يجدوا أجمل من توكيل أمرهم لله، ومن الجدير بالذكر في هذا الخصوص