لقد نوَّع الله عز وجل العبادات حكمةً منه لاختبار صدق إيمان العبد؛ فمنها ما هو كفٌ عن المحبوبات كالصيام الذي يمثل امتناعاً عن شهوات النفس من طعام وشراب وجماع ابتغاء مرضاة الله. ومنها ما هو بذلٌ للمحبوبات كالزكاة والصدقة التي تتطلب إنفاق المال المحبوب للنفس. هذا التنوع يكشف معادن النفوس؛ فقد يسهل على المرء البذل ويشق عليه الكف، أو العكس، فكان الاختبار الإلهي شاملاً.
الصيام: المفهوم والغاية
-
لغةً: هو مطلق الإمساك والكف عن الشيء، كما في قوله تعالى عن مريم: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} أي صمتاً عن الكلام.
-
شرعاً: هو التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات الحسية (كالأكل والشرب والجماع) والمعنوية، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، بنية خالصة من الشخص المؤهل لذلك (المسلم العاقل الخالي من الموانع).
التدرج في تشريع الصيام: رحمة وحكمة
لأن الصيام فيه مشقة على النفس البشرية المجبولة على حب الشهوات، فقد شرعه الله تعالى بالتدريج رحمةً بعباده، ليعتادوه شيئاً فشيئاً، وذلك عبر ثلاث مراحل تاريخية:
المرحلة الأولى: صيام يوم عاشوراء
كانت البداية بفرض صيام يوم عاشوراء (العاشر من المحرم). فقد كانت قريش تصومه في الجاهلية، وصامه النبي ﷺ وأمر بصيامه حين هاجر إلى المدينة، ليكون أول تعويد للمسلمين على هذه العبادة.
المرحلة الثانية: التخيير بين الصيام والفدية
بعد ذلك، نُسخ وجوب صيام عاشوراء، وفُرض صيام شهر رمضان ولكن على سبيل التخيير. فمن شاء صام، ومن شاء أفطر وافتدى بإطعام مسكين عن كل يوم، مع التأكيد على أن الصيام أفضل: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}. هذه المرحلة كانت تهيئة نفسية لقبول الفريضة.
المرحلة الثالثة: الإلزام النهائي بصيام رمضان
جاءت المرحلة الأخيرة الحاسمة بنزول قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. هنا أصبح صيام رمضان فرض عين على كل مسلم مكلف، دون تخيير، مع الإبقاء على رخص الإفطار للمريض والمسافر تيسيراً ورحمةً، ليكون هذا الشهر ميداناً للتقوى والشكر وإكمال العدة.
هكذا اكتمل عقد الصيام، متدرجاً من نفل إلى تخيير ثم إلى فريضة ركنية، ليكون شاهداً على حكمة التشريع الإلهي في تربية النفوس وتزكيتها.


