أمانة كفالة الأيتام: أحكام التصرف في أموالهم والضوابط الشرعية للوليّ
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:
إن الشريعة الإسلامية جاءت لحفظ الحقوق والرعاية الكاملة للضعفاء، وفي مقدمتهم الأيتام. وقد حاط الإسلام مال اليتيم بسياج متين من التشريعات والتوجيهات التي تحفظ عليه قوته وماله حتى يبلغ أشده، وجعل التعدي على هذه الأموال من أعظم الذنوب.
في هذا المقال، نتناول بشيء من التفصيل أحكام التصرف في أموال الأيتام، ومتى يجوز للولي الأخذ منها، وحكم الاستفادة من أموالهم لقضاء الديون.
الأصل في التعامل مع مال اليتيم
الأصل الشرعي الثابت أن المال الذي يأتي للأيتام هو حق خالص لهم؛ فيُنفَق عليهم منه بالمعروف، وما فضل عن حاجتهم يُدَّخر لهم أو يُستثمر في مجالات مباحة وآمنة لنمائه.
خطورة أكل مال اليتيم
حذَّر القرآن الكريم والسنة النبوية أشد التحذير من المساس بمال اليتيم بغير حق، واعتُبر ذلك من الكبائر الموبقة:
من القرآن الكريم:
قال تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: 2].
وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10].
من السنة النبوية:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال:
«اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ».
استثناءات شرعية: متى يجوز للولي الانتفاع أو المخالطة؟
استثنى الشارع الحكيم حالتين تُباح فيهما المخالطة أو الأخذ من مال اليتيم لرفع الحرج وتحقيق المصلحة:
1. خلط طعام الولي بطعام الأيتام (المخالطة بالمعروف)
رفعًا للحرج عن الكافل والولي، أجاز الشرع خلط النفقات من طعام وشراب ونحوهما.
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 220].
تفسير ابن كثير لهذا المعنى:
يوضح الإمام ابن كثير أن معنى «وإن تخالطوهم فإخوانكم» أي: إن خلطتم طعامكم بطعامهم وشربكم بشرابهم فلا بأس عليكم، لأنهم إخوانكم في الدين، والله يعلم المقصد ونيات القلوب هل هي للإصلاح أم الإفساد. ولو شاء الله لضيّق عليكم وأحرجكم ولكنه وسّع عليكم وسمح لكم بالمخالطة بالتي هي أحسن.
التطبيق العملي: يجوز للولي أن يقدّر النفقة التي يحتاجها الأيتام لطعامهم وشرابهم، فيأخذها ويضيف إليها ماله الخاص بما يكفي حاجة بقية أفراد أسرته، ثم ينفق على البيت ككل من هذا المال المشترك دون حرج.
2. أكل الولي الفقير من مال اليتيم بالمعروف
إذا كان الولي قائمًا على رعاية الأيتام وهو فقير لا مال له، فقد أباح الله له الأخذ بقدر محدد، قال تعالى:
﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6].
وقد اختلف أهل العلم في كيفية تحديد هذا “الأكل بالمعروف” على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أخذ الأقل من كفايته أو أجرة مثله
يأخذ الولي الفقير الأقلَّ من مقدارين: (أجرة عمله في رعايتهم) أو (قدر كفايته وحاجته).
مثال: لو كانت أجرته المستحقة لقاء الرعاية تُقدّر بـ 100، وحاجته الشخصية تُقدّر بـ 90، فإنه يأخذ 90 فقط. ولو كانت حاجته 100 وأجرته 90، فإنه يأخذ 90 فقط.
من أقوال الفقهاء:
الرحيباني (في مطالب أولي النهى): “فيأكل مَن يباح له: الأقلَّ من أجرة مثله وكفاية… لأنه يأكل بالحاجة والعمل جميعا، فلا يأخذ إلا ما وُجِدا فيه”.
الشيخ ابن عثيمين (في الشرح الممتع): يوضّح أن الولي الفقير هو من ليس لديه كسب أو راتب يكفيه، فيأخذ الأقل؛ فإذا كانت كفايته ألفًا وأجرته خمسمائة أخذ الخمسمائة، والعكس صحيح.
القول الثاني: اشتراط الانشغال عن التكسب
قيد بعض الفقهاء (كالرملي في نهاية المحتاج) جواز الأخذ بأن يكون الولي قد انشغل برعايتهم عن الخروج للاكتساب والعمل، فيأخذ حينها أقل الأمرين من الأجرة والنفقة بالمعروف.
القول الثالث: اعتباره على سبيل القرض
ذهب فريق من أهل العلم إلى أن أكل الولي الفقير يكون على سبيل القرض؛ فيأخذ لحاجته ثم يرد البدل للأيتام متى ما أيسر وتمكن من ذلك.
تنبيه وإرشاد للولي:
لكي تخرج من الشبهة؛ اسأل أهل الخبرة عن الأجرة العرفية لمن يُستأجر لرعاية هؤلاء الأيتام وتربيتهم، واكتفِ بالأقل منها أو قدر حاجتك، وتجنب التوسع أو التساهل.
حكم سداد ديون الولي من أموال الأيتام
لا يجوز مطلقًا للولي أن يأخذ من أموال الأيتام أو عطاياهم لتسديد ديونه الخاصة. ولكن هناك مخارج شرعية يمكن الاستفادة منها:
المخرج الشرعي | طريقة التطبيق |
استحقاق زكاة مال الأيتام | تجب الزكاة في مال الصبي إذا بلغ نصابًا وحال عليه الحول. فإذا كان الولي مدينًا وعاجزًا عن السداد، يجوز لوالدة الأيتام (أو الحارس على مالهم) أن تعطيه من زكاة أموال الأيتام لسداد دينه، لأنه من الغارمين والمستحقين للزكاة. |
مساعدة الزوجة أو القريب | يجوز للزوجة أن تساعد زوجها من مالها الخاص برضاها (سواء لدفع الإيجار أو النفقة)؛ لحديث زينب امرأة ابن مسعود رضي الله عنهما عندما سألت النبي ﷺ عن التصدق على زوجها وأولادها، فقال لها: «زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ». |
