فقه الاستدراك: {إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} ميزان الأمل
تأتي الآية الكريمة {إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} لترسم دستوراً إلهياً في التعامل مع النفس والخطأ؛ فهي ليست مجرد نصٍ يُتلى، بل هي ميزانٌ يحل عقد الطريق ويمنح الإنسان فرصة أبدية للنهوض. هذه الآية تُعلن بوضوح أنه لا توجد “خسارة نهائية” في ميزان الله ما دام النبض مستمراً.
مأزق “فات الأوان” وحيلة الشيطان
من أعظم الأوهام التي تسرق أعمارنا هي فكرة “فات الأوان”؛ فإذا أسرف الإنسان في ذنب أو ضاعت منه الأيام في لهو، يفتح له الشيطان أبواب القنوط أو جلد الذات العقيم. الحقيقة الشرعية تقول: إن العلاج ليس في الحزن الغارق، بل في المبادرة؛ توبةٌ صادقة تعقبها حسنةٌ تمحو ما قبلها، فالاستسلام للخسارة هو الخسارة الكبرى.
معركة وعي: الحسنة هي الترياق
المؤلم حقاً هو حال من يجعل الندم عائقاً لا دافعاً؛ فيتحول الذنب إلى سلسلة من التسويف ثم التكرار. إن “فقه الاستدراك” يقتضي فهم أن السيئة لا تُعالج بسيئة أخرى (كاليأس أو ترك العمل)، بل تُعالج بنقيضها. إنها معركة وعي وتذكير بأن الرجوع إلى الله في حد ذاته “عبادة”، وأن محو السيئة بالحسنة ضرورة حتمية لكل سائر إلى الله.
الاستدراك.. منهج حياة
العاقل هو من يجعل حياته سلسلة متصلة من الإصلاحات؛ كلما تعثر قام، وكلما أخطأ أصلح. لا يتوقف عند زلّة، ولا يركن إلى بداية الطريق، بل يمضي بخطى صادقة وإن كانت مثقلة بجهاد النفس. النجاة في أن يلقى العبد ربه وهو “في الطريق إليه”، مستدركاً لما فات، ومستبشراً بما هو آت.


