غرور المتعبدين: حين يتحول الإخلاص إلى عُجب
يتناول الإمام ابن الجوزي في كتابه “صيد الخاطر” آفة خطيرة قد تصيب السالكين إلى الله، وهي “غرور العبادة”. فمن أعجب الأمور أن يدعي الإنسان معرفة الله وهو مطمئنٌ مغتر، بينما الحقيقة أن من عرف الله حقاً خافه حقاً؛ فالمعرفة تولد الهيبة، لا الاتكال الساذج.
فخ الكرامات والاستدراج
يقع بعض المتزهدين في “تغفيل” حين يوهم أحدهم نفسه بأنه وليٌّ مقبول، فيرى توالي النعم عليه “كرامات” وينسى أنها قد تكون “استدراجاً”. هذا الغرور قد يدفعه لاحتقار الآخرين، ظناً منه أن المجتمع محفوظ ببركة ركيعاته أو عبادته، وكأنه نسي تقلب الأحوال ونفوذ الأقدار.
عبر التاريخ: لا أحد فوق الاختبار
يضرب لنا ابن الجوزي أمثلة تهز الوجدان لتكسر كبرياء النفس:
-
موسى عليه السلام وهو الكليم، أُنبئ يوشع في زمانه.
-
زكريا عليه السلام وهو مجاب الدعوة، نُشر بالمنشار.
-
يحيى عليه السلام وهو السيد الحصور، ذبحه كافر واحتز رأسه.
-
بلعام الذي كان يملك الاسم الأعظم، انتهى به الحال كمثل الكلب.
هذه النماذج تؤكد أن المقامات لا تمنع الابتلاء، وأن العاقل لا يأمن مكر الله أو تحول الحال، مهما بلغت درجته.
آفة “ما مثلي أحد”
الإنسان المغرور بعلمه أو فصاحته يظن أنه بلغ القمة، لكن دوام الحال من المحال. فكم من عالم ظن أنه المتفرد، فنشأ طفل في زمانه كشف عيوبه. وكم من خطيب ظن أنه الأبلغ، ولو سمع من جاء بعده لعلم أنه أخرس. إن المعرفة والقبول هما “مواهب وأقسام” من الله، وليست استحقاقاً ذاتياً.
الخلاصة: ضرب عنق العُجب
على الإنسان المتيقظ أن يعيش دائماً في حالة “انزعاج إيماني” حميد:
-
يحتقر الكثير من طاعاته أمام عظمة الخالق.
-
يخاف على نفسه من تقلبات القلب ونفوذ الأقدار.
-
يتلمح عظمة الله ليذبح كبرياء نفسه ويذهب بطر الكبر من قلبه.


