رحمةٌ تُدرك قبل أن تُطلب: حين يكون المنعُ عين العطاء
إن أعظم ما يطرق باب القلب ويُغير حاله هو فيضُ الرحمة الإلهية؛ تلك الرحمة التي إذا حلّت، سكنت معها النفسُ المضطربة، واستعاد القلب توازنه المفقود. إنها رحمةٌ لا تُقرأ في الكتب فحسب، بل تُلمس آثارها في التفاصيل الدقيقة لحياتنا، فتترك القلوب طاهرةً ومطمئنة.
الابتلاء بالتعلّق وحكمة المجاهدة
قد يبتلي الله العبد بتعلّقٍ يظنه في البداية أمراً عابراً، لكنه سرعان ما يتحول إلى مخاضٍ عسير يتطلب صبراً ومجاهدة. في تلك الليالي الثقيلة، تتصارع الرغبات البشرية مع الخوف من الزلل، ويقف الإنسان عاجزاً أمام ثقل قلبه. ولكن، لأن الله بصيرٌ بعباده، يأتي البيان الإلهي في الوقت المناسب تماماً، ليظهر الحق من زوايا لم تكن تخطر على بال، فيتبدد الضباب ويستقر الفهم في القلب بسلام ودون عناء.
المنعُ حفظ.. والحرمانُ رحمة
حين يزول التعلّق، يشعر العبد بخفةٍ عجيبة وسكينة صادقة، فيدرك حينها قصور نظره؛ فقد كان يحصر الخير في زاوية ضيقة، بينما كان علم الله المحيط يدبر له ما هو أرحب. عندها فقط، يتجلى اليقين بأن:
-
ما ظنه حرمانًا: لم يكن إلا حفظاً وصوناً.
-
ما رآه منعاً: كان في جوهره رحمةً مهداة.
-
صرف القلب عن رغبة: هو تهيئةٌ ربانية لما هو أصلح وأنفع.
كرمُ العطاء بغير سؤال
من تمام جود الله ولطفه الخفي أنه يمنح العبد الإجابة ويفتح له أبواب الفهم حتى لو لم يسأل؛ رحمةً به وحكمةً تليق بجلاله. إن الله لا يحرم العبد الخير أبداً، وإنما يمنعه مما يضره ليفتح له آفاقاً من العوض الجميل في دينه، ودنياه، وعاقبة أمره.


