رجل المهام المستحيلة: كيف فكك نعيم بن مسعود حلف الأحزاب؟
توقف التاريخ طويلاً عند غزوة الأحزاب، ليس فقط لعظم الحشد أو شدة الحصار، بل لظهور شخصية فذة استطاعت بذكاء خارق أن تشتت شمل جيشٍ قوامه عشرة آلاف مقاتل دون إراقة قطرة دم واحدة. إنه الصحابي الجليل نعيم بن مسعود الأشجعي.
أولاً: من هو نعيم بن مسعود؟ (النشأة والصفات)
هو نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي الغطفاني. كان قبل إسلامه رجلاً يحب الحياة والمرح، وكان صديقاً مقرباً من قريش ومن يهود بني قريظة في المدينة. عُرف بالفطنة، وسرعة البديهة، والقدرة على الإقناع، وهي الصفات التي سخرها الله لاحقاً لخدمة الإسلام في أحلك الظروف.
ثانياً: لحظة التحول (إسلام في قلب العاصفة)
في العام الخامس للهجرة، اجتمعت قبائل العرب (الأحزاب) لاستئصال شأفة المسلمين في المدينة. وبينما كان الرعب يسيطر على الأجواء، وقع في قلب نعيم بن مسعود نور الإيمان.
تسلل نعيم من معسكر قومه (غطفان) ودخل المدينة سراً حتى وصل إلى النبي ﷺ، وأعلن إسلامه. فقال له النبي ﷺ جملته الشهيرة التي أصبحت قاعدة عسكرية ذهبية:
“إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة”.
ثالثاً: الخطة العبقرية (تفكيك الأحزاب)
امتلك نعيم ميزة لم يمتلكها غيره: لم يعلم أحد بإسلامه. بدأ بتنفيذ خطة “الحرب النفسية” على ثلاثة محاور:
1. مع بني قريظة
ذهب إليهم وكان صديقهم القديم، فأوهمهم أن قريشاً وغطفان قد ينسحبون ويتركونهم وحدهم لمواجهة المسلمين. ونصحهم ألا يقاتلوا مع قريش حتى يأخذوا منهم “رهائن” من أشرافهم كضمانة.
2. مع قريش
ذهب إلى أبي سفيان وقادة قريش، وأخبرهم أن يهود بني قريظة قد ندموا على نقض عهدهم مع محمد، وأنهم اتفقوا معه على اختطاف زعماء من قريش لتسليمهم له ليقتلهم مقابل الصلح.
3. مع غطفان
كرر نفس الرواية مع بني قومه، محذراً إياهم من غدر اليهود.
رابعاً: النتائج المبهرة
حين أرسلت قريش تطلب من بني قريظة الخروج للقتال، رد اليهود بطلب الرهائن (كما اقترح نعيم)، فقالت قريش: “صدق نعيم!”، ورفضت قريش إعطاء الرهائن، فقال اليهود: “صدق نعيم!”.
وهكذا دبّ الشقاق، وضاعت الثقة بين الحلفاء، وانصرف الأحزاب مهزومين نفسياً قبل أن ينهزموا عسكرياً بفضل ريحٍ أرسلها الله، وبفضل دهاء هذا الصحابي.
خامساً: حياته بعد الخندق ووفاته
عاش نعيم بن مسعود مخلصاً لدينه، وشهد مع النبي ﷺ المشاهد كلها بعد الخندق. وفي يوم فتح مكة، كان يحمل لواء قومه (غطفان)، مما يدل على مكانته الرفيعة. توفي رضي الله عنه في خلافة عثمان بن عفان وقيل في خلافة علي بن أبي طالب (اختلاف الروايات)، وترك خلفه إرثاً في كيفية استخدام العقل والذكاء لنصرة الحق.
سادساً: الدروس المستفادة من سيرة نعيم
-
قيمة الفرد: رجل واحد بإيمانه وذكائه غير مسار معركة مصيرية.
-
توظيف المهارات: كيف حول نعيم علاقاته السابقة وذكاءه الاجتماعي إلى سلاح استراتيجي.
-
الحكمة والسرية: ضرورة الكتمان في العمل لتحقيق الأهداف الكبرى.
المصادر والمراجع:
للتوسع في سيرة الصحابي نعيم بن مسعود، يمكنكم مراجعة المصادر التاريخية التالية:
-
الإصابة في تمييز الصحابة – ابن حجر العسقلاني.
-
سير أعلام النبلاء – الإمام الذهبي.
-
السيرة النبوية – ابن هشام (أحداث غزوة الخندق).
-
الرحيق المختوم – صفي الرحمن المباركفوري.
-
أسد الغابة في معرفة الصحابة – ابن الأثير.
