, -

تفسير سورة المسد للشيخ محمد صالح بن العثيمين

المدونة

تفسير الآية (1)

00:00:02

أمَّا السورة الثانية فهي قوله تعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد: ١ – ٥].
سبحان الله! هذا القرآن فيه من الدلالات الكثيرة ما يدلُّ دلالةً واضحةً على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حقٌّ، ليس يدعو لِمُلْك ولا لِجَاهٍ، ولا لرئاسة قومه أبدًا، له أعمامٌ -الرسول عليه الصلاة والسلام- انقسموا في معاملته ومعاملة ربِّه عز وجل إلى ثلاثة أقسام: قِسْمٌ آمَنَ به وجاهَدَ معه وأسلمَ لله ربِّ العالمين، وقِسْمٌ سانَدَ وساعَدَ لكنَّه باقٍ على الكفر والعِياذ بالله، وقِسْمٌ عانَدَ وعارَضَ وهو كافر.
أمَّا الأول فالعبَّاس بن عبد المطلب، وحمزة بن عبد المطلب، والثاني أفضل من الأول؛ لأن الثاني من أفضل الشهداء عند الله عز وجل، ووَصَفَه النبيُّ عليه الصلاة والسلام بأنه أسدُ اللهِ وأسدُ رسولِهِ ، واستُشهِدَ رضي الله عنه في أُحُدٍ في السَّنَة الثالثة من الهجرة، جمعني الله وإيَّاكم به في جنات النعيم.
أمَّا الذي سانَدَ وساعَدَ مع بقائه على الكفر فهو أبو طالب، أبو طالبٍ قام مع النبي صلى الله عليه وسلم خيرَ قيامٍ في الدفاع عنه ومساندته، ولكنه -والعياذ بالله- قد سبقتْ له كلمة العذاب، لم يُسْلِم، حتى في آخِر حياته في آخِر لحظة من الدنيا عَرَضَ عليه النبي صلى الله عليه وسلم أنْ يُسْلِم، ولكنه أَبَى، بلْ ومات على قوله: إنه على مِلَّة عبد المطلب ، فشَفَعَ له النبيُّ عليه الصلاة والسلام حتى كان في ضَحْضَاحٍ من نارٍ وعليه نعلانِ يغلي منهما دِماغُه .
أمَّا الثالث الذي عانَدَ وعارَضَ فهو أبو لهب، أنزلَ الله فيه سورةً كاملةً تُتلى في الصلوات فرضِها ونَفْلها، في السرِّ والعَلَن، يُثَابُ المرءُ على تلاوتها على كلِّ حرفٍ عَشْر حسنات؛ يعني اللي يقرأ سيرة أبي لهب التي في هذه السورة له في كلِّ حرفٍ عَشْر حسنات، لكن لو تقرأ سيرة أبي بكر من سيرة ابن إسحاق، أو من سيرة البداية والنهاية وغيرها ما حصل لك هذا الأجر، فالإنسان كأنه يُدْعَى دعوةً أكيدةً إلى قراءة سيرة أبي لهب، كلُّ حرفٍ تقرؤه من (تَبَّتْ) لك به عَشْر حسنات.
يقول الله عز وجل: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّوهذا ردٌّ على قوله -أي: قول أبي لهب- حين جمعهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم ليدعوهم إلى الله فبَشَّرَ وأَنْذَرَ، قال أبو لهب: تبًّا لك، أَلِهذا جَمَعْتَنا؟! . هذه الإشارة للتحقير؛ يعني هذا أمْرٌ حقيرٌ ما يحتاج أن يُجمَع له زعماءُ قريش، وهذا كقولهم: أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الأنبياء: ٣٦]أي: يعيبها ويسبُّها؛ يعني الرسول، قريش تقول: أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ، المعنى التحقير، ليس شيئًا، ولا يستحقُّ، ولا يُهتَمُّ به، كما قالوا: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
فالحاصل أن أبا لهب قال: تبًّا لك، ألِهَذا جمعْتَنا؟! فردَّ الله عليه بهذه السورة: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، والتَّبَاب: الْخَسَار، كما قال تعالى: وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ [غافر: ٣٧]. أي: خَسَار. وبدأ بيديه قبل ذاته لأن اليدين هما آلة العمل والحركة والأخذ والعطاء وما أشبهَ ذلك.
وهذا اللقب (أبو لهب) لقبٌ مناسبٌ تمامًا لحالِهِ ومآلِهِ، وجْهُ المناسبة أن هذا الرجل سوف يكون في نارٍ تلظَّى والعياذ بالله، تتلظَّى لَهَبًا عظيمًا، فهي -أي: كُنْيتُه- مطابقة لحالِهِ ومآلِهِ، يقول الشاعر:

وَقَلَّ أَنْ أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ ذَا لَقَبٍ

إِلَّا وَمَعْنَاهُ -إِنْ فَكَّرْتَ- فِي لَقَبِهْ

ولَمَّا أَقْبل سُهَيلُ بن عمروٍ في قصة غزوة الحديبية قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «هَذَا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَا أُرَاهُ إِلَّا سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ» ؛ لأن الاسم مطابق للفعل.

تفسير الآية (2)

00:06:53

يقول عز وجل: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَمَاهذه يحتمل أن تكون استفهامية، والمعنى: أيُّ شيءٍ أَغْنَى عنه مالُه وما كَسَب؟ أيُّ شيء؟ الجواب: لا شيء. ويحتمل أن تكون مَانافية؛ أي: ما أَغْنَى عنه؛ أي: لم يُغْنِ عنه مالُه وما كَسَب شيئًا، وكِلا المعنيين متلازمان، ومعناهما أن ماله وما كَسَب لَمْ يُغْنِ عنه شيئًا، مع أن العادة أنَّ المال ينفع؛ المالُ يَفْدي به الإنسانُ نفسَه، لو تسلَّطَ عليه عدوٌّ وقال: أنا أُعطيك كذا وكذا من المال وأطْلِقْني، يُطْلِقه، لكن قد يطلب مالًا كثيرًا أو قليلًا، لو مرض انتفع بماله، لو جاع انتفع بماله، فالمال ينفع، لكن النفع الذي لا يُنجي صاحبَه من النار ليس بنفعٍ، ولهذا قال: مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُيعني: مِن الله شيئًا.
وقوله: وَمَا كَسَبَقيل: المعنى: وما كَسَب من الوَلَد، كأنه قال: ما أَغْنَى عنه مالُه ووَلَدُه؛ كقول نوح: وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا [نوح: ٢١]، فجعلوا قوله: وَمَا كَسَبَيعني بذلك الوَلَد، وأَيَّدوا هذا القولَ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» ، والصواب أن الآية أعمُّ من هذا، وأن الآية تشمل الأولادَ وتشمل المالَ المكتسَبَ الذي ليس في يده الآن، وتشمل ما كَسَبه من شرفٍ وجاهٍ، كل ما كَسَبه مما يزيده شَرَفًا وعِزًّا فإنه لا يُغني عنه شيئًا، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ.

تفسير الآية (3)

00:09:38

{سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} والسين في قوله: سَيَصْلَىللتنفيس المفيد للحقيقة والقُرب؛ يعني أن الله تعالى وَعَدَه أو تَوَعَّدَه بأنه سيصلى نارًا ذات لهب. قلتُ لكم: السين للتحقيق والتقريب؛ يعني أنه سوف يَصْلى عن قريبٍ نارًا ذات لهب؛ لأن البقاء في الدنيا مهما طال فإنَّ الآخِرة قريبة، حتى الناس في البرزخ وإنْ مرَّتْ عليهم ملايينُ السنين فإنها كأنها ساعة؛ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ [الأحقاف: ٣٥]، وشيءٌ يُقَدَّر بساعةٍ من نهارٍ أظُنُّنَا نتَّفق على أنه قريب ولا شيء.
يقول عز وجل: سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ(…) السين هذه تفيد التحقيق والتقريب، فكونه يَصْلى النارَ ذاتَ اللهب أمرٌ محقَّقٌ وقريب.

تفسير الآية (4)

00:11:12

{سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} يعني: وكذلك امرأتُه مَعَه -والعياذُ بالله- وهي امرأةٌ من أشراف قريش، لكن لم يُغْنِ عنها شَرَفُها شيئًا لكونها شاركتْ زوجَها في العُدوان والإثم والبقاء على الكفر.
وقوله: حَمَّالَةَ الْحَطَبِقُرِئتْ بالنصب وبالرفع؛ أمَّا النصب فإنها تكون حالًا من (امرأة)؛ يعني: وامرأتُه حالَ كونِها حمَّالةَ الحطب. أو تكون منصوبةً على الذَّمِّ؛ لأن النعت المقطوع يجوز نصبُه على الذَّمِّ؛ أي: أذُمُّ حمَّالةَ الحطب. وأمَّا على قراءة الرفع فهي صفة لـ(امرأة).
حَمَّالَةَ الْحَطَبِأيش الحطب اللي هي تَحمِل وتحمله بكثرة؛ يعني حَمَّالَةَصيغة مبالغة؟
ذكروا أنها تحمل الحطب الذي فيه الشوك تَضَعُه في طريق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والعياذُ بالله؛ من أجْل أذى الرسول صلى الله عليه وسلم.

تفسير الآية (5)
00:12:49

وقوله: فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍالجِيد: العُنُق، والحبل معروف، والْمَسَد: الليف؛ يعني أنها متقلِّدةٌ حبلًا من الليف تخرج به إلى الصحراء لتربط به الحطبَ الذي تأتي به لتضعه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم، نعوذ بالله من ذلك، وهو إشارةٌ إلى دُنُوِّ منزلتها وأنها أهانتْ نفسَها، امرأةٌ من قريش من أكابر قبائل قريش تخرج إلى الصحراء وتضع هذا الحبل في عُنُقها، وهو من الليف، مع ما فيه من المهانة، لكن من أجْل أذِيَّة الرسول عليه الصلاة والسلام، نسأل الله العافية.
وبهذا انتهى الكلام بما يسَّره الله عز وجل على هاتين السورتين. 

تدوينات ذات صلة

قواعد علمية لحفظ القرآن الكريم بسهولة وثبات

هل تحلم بأن تحفظ كتاب الله كاملًا لكن تجد الأمر صعبًا؟لا تقلق، فالمشكلة ليست في قدراتك، بل في الطريقة!في هذا المقال، نُقدّم لك 10 قواعد علمية وعملية، مجرّبة وسهلة، تساعدك على حفظ القرآن الكريم بإتقان وراحة

فضل تلاوة القرآن وحفظه

  القرآن الكريم هو كتاب الإسلام الخالد، ومعجزة النبي محمد ﷺ الكبرى، وسبيل الهداية لكل البشرية، بل هو النور الذي أرسله الله تعالى لعباده ليخرجهم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الإيمان والمعرفة، كما قال الله

فضل تلاوة القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ، سيد التالين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد؛ فلا ريب أنّ تلاوة القرآن من صفات المؤمنين