, -

تعرف على الأجور المضاعفة وفضل تلاوة القرآن

المدونة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

في زحمة الحياة المادية المتسارعة، وتراكم الهموم وتزاحم المشاغل على القلوب، يجد المسلم نفسه في حاجة ماسة إلى واحة أمن وسكينة، تحيي قلبه، وتجدد روحه، وتزيل عنه وعثاء السير في هذه الدنيا. ولا يوجد على وجه الأرض واحة أعظم ولا أطهر من كلام الله عز وجل؛ القرآن الكريم، الشفاء التام، والنور المبين، والمأدبة الإلهية التي من أقبل عليها نال خيري الدنيا والآخرة.

هذا المقال ليس مجرد كلمات تُقرأ، بل هو نداء قلب ومحفز همة، لنعيد ترتيب أولوياتنا مع كتاب رب العالمين، ونكتشف الأسرار والأنوار الكامنة في تلاوته، متبعين في ذلك الهدي النبوي الشريف وآداب السلف الصالح.

أولاً: فضائل تلاوة القرآن الكريم (الوقود الإيماني)

إن معرفة ثمرات العمل هي المحرك الأقوى للهمة، والقرآن الكريم مليء بالبشارات والأجور العظيمة التي تجعل المؤمن يشتاق إلى كل آية يرتلها.

1. التجارة الرابحة التي لا تبور

وصف الله تعالى تالي القرآن بأنه يدخل في صفقة استثمارية مضمونة الربح مع رب العالمين؛ قال تعالى في سورة فاطر:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: 29-30].

2. مضاعفة الأجور بالحرف الواحد

في زمنٍ نبحث فيه عن زيادة الأرباح المادية، يقدم لنا النبي ﷺ عرضاً ربانياً لا يُنافس في سوق الأجور:

  • عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ حرفًا من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها، لا أقول الم حرفٌ، ولكن ألفٌ حرفٌ ولامٌ حرفٌ وميمٌ حرفٌ» [رواه الترمذي].

  • تخيل كم من الحسنات تكتسبها بمجرد قراءة صفحة واحدة تحتوي على مئات الأحرف!

3. الصعود في درجات الجنة

مكانتك في الجنة تعتمد مباشرة على رصيدك مع القرآن في الدنيا؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «يُقالُ لصاحبِ القُرآنِ: اقرَأْ وارقَ ورَتِّلْ كما كُنْتَ تُرَتِّلُ في الدُّنْيا، فإنَّ منزِلَتَكَ عندَ آخِرِ آيةٍ تَقْرَؤُها» [رواه أبو داود والترمذي].

4. الشفاعة المشهودة في أهوال القيامة

عندما يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه، يأتي القرآن ليقف معك مدافعاً ومحامياً؛ فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقْرَؤُوا القُرْآنَ فإنَّه يَأْتي يَومَ القِيامَةِ شَفِيعًا لأَصْحابِهِ» [رواه مسلم].

5. السكينة والرحمة وحفوف الملائكة

في المجالس التي يُذكر فيها القرآن، تتنزل إعانات السماء؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «…ومَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ» [رواه مسلم].

ثانياً: آداب تلاوة القرآن الكريم (فقه العبودية)

حتى تؤتي التلاوة ثمارها في القلب والعمل، شرع لنا الدين آداباً باطنة وظاهرة، تعكس تعظيمنا لكلام الخالق سبحانه؛ قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].

أ) الآداب الباطنة (أعمال القلوب)

  1. الإخلاص: وهو روح العمل، فتقرأ ابتغاء مرضاة الله لا لطلب ثناء الناس أو الشهرة.

  2. حضور القلب: ألا يكون الفكر شارداً وقت القراءة، بل يستشعر العبد أنه يخاطب ربه.

  3. التدبر والتفهم: وهو الغاية الأساسية من نزول القرآن؛ قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29].

  4. التأثر والوجل: أن يتفاعل قلبك مع الآيات، فتستبشر بآيات الرحمة، وتوجل وتستعيذ عند آيات الوعيد.

ب) الآداب الظاهرة (أعمال الجوارح)

  1. الطهارة: فيُستحب قراءة القرآن على طهارة كاملة (من الحدثين الأصغر والأكبر) تعظيماً له.

  2. السواك ونظافة الفم: لتطييب الفم الذي هو طريق خروج كلام الله تعالى.

  3. استقبال القبلة والجلوس بأدب: والوقار في مكان نظيف (وأفضله المساجد).

  4. الاستعاذة والبسملة: امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98].

  5. الترتيل وتحسين الصوت: قال ﷺ: «زَيِّنُوا القُرْآنَ بأَصْوَاتِكُمْ» [رواه أبو داود]. والتزام أحكام التجويد قدر المستطاع.

  6. عدم قطع القراءة لغير حاجة: وتجنب الضحك واللغط والالتفات أثناء التلاوة.

ثالثاً: كيف تطلق شغفك التلاوي؟ (خطوات عملية للتحفيز)

كثير منا يشتكي من “هجر القرآن” أو صعوبة الاستمرار. إليك خطة استراتيجية مبسطة لتحويل التلاوة إلى عادة يومية لا تطيق تركها:

  • انزع وهم “ليس لدي وقت”: تلاوة صفحة واحدة بتدبر تستغرق دقيقتين فقط. هل دقيقتان من أصل 1440 دقيقة في اليوم كثيرة على خالقك؟

  • قاعدة الخمس صلوات: اقرأ صفحتين قبل كل صلاة وصفحتين بعدها. النتيجة = 20 صفحة في اليوم (جزء كامل شهرياً بخطوات ميسرة).

  • اختر “مصحفاً خاصاً”: ارتبط بمصحف محدد، فالأعين تألف مواضع الآيات مما يساعد على التركيز والحفظ غير المباشر.

  • استمع كثيراً: إذا كنت في السيارة أو تمارس رياضة أو تقوم بأعمال منزلية، اجعل القرآن خلفيتك السمعية. “أذن قارئة تؤدي إلى لسان قارئ”.

  • جاهد نفسك في البداية: تذكر قول النبي ﷺ: «الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهو ماهِرٌ به مع السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فيه، وَهو عليه شَاقٌّ، له أَجْرَانِ» [متفق عليه]. لك أجر التلاوة وأجر المشقة!

رابعاً: شذرات من مواقف السلف مع القرآن

كان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- يعيشون بالقرآن وللقرآن، ولم يكن مجرد كتاب يُقرأ في المناسبات:

  • كان الإمام الشافعي رحمه الله يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة، كل ذلك في غير الصلاة.

  • وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: “لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم”.

  • وكان بعضهم إذا قرأ آية فيها وعيد يُغشى عليه من شدة الخوف، وتمرض الأيام يُعاد كما يُعاد المريض.

خاتمة وتوصية (أقبل على النور)

أخي المسلم، أختي المسلمة:

القرآن الكريم هو حبل الله المتين، ونوره المبين، ومصدر عز الأمة ورفعتها. إن البيوت التي لا يُقرأ فيها القرآن كالقبور المظلمة، والقلوب الشاغرة منه كالبيوت الخربة.

لا تجعل يومك يمر دون أن تنهل من هذا المعين العذب. ابدأ الآن، افتح مصحفك، رتل آيات ربك، استشعر معانيها، واجعلها منهجاً لعملك وسلوكك. ستجد البركة في وقتك، والراحة في صدرك، والتوفيق في شؤونك كلها.

اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، وسائقنا وقائدنا إلى رضوانك وإلى جناتك جنات النعيم.

المصادر والمراجع العلمية

اعتمد هذا المقال في توثيق مادته العلمية على المصادر الإسلامية المعتمدة التالية:

  1. القرآن الكريم: المصدر الأساسي والآيات الواردة من سور (فاطر، الحج، ص، النحل).

  2. صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن.

  3. صحيح مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن.

  4. سنن الترمذي وسنن أبي داود: أبواب ثواب القرآن وفضائله.

  5. كتاب “التببيان في آداب حملة القرآن”: للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي (ت 676 هـ) – وهو المرجع العمدة في تفصيل آداب التلاوة الظاهرة والباطنة.

  6. كتاب “فضائل القرآن”: للإمام ابن كثير الدمشقي.

  7. كتاب “مجموع الفتاوى”: شيخ الإسلام ابن تيمية (المجلدات المتعلقة بالتفسير وفضائل القرآن).

تدوينات ذات صلة

شفاء لما في الصدور

 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:  لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم ومثله معه من السنة المطهرة، وهو رسالة الله للبشرية، وكلامه المقدس الذي هدى به الناس، وأخرجهم من الظلمات

وصايا لحفظ كتاب الله

 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: ليس كل من بدأ بحفظ القرآن، يُعدّ حافظًا… كثيرون بدؤوا، ولكن القليل من أتمّ الطريق… لمَ؟ لأنهم نسوا أن الحفظ ليس أول الطريق، بل