القرآن الكريم هو الدستور الأمثل للحياة الإنسانية
الدكتور منظر علي طيب الندوي *
معلوم أن القرآن كلام الله ، وأن كلام الله غير كلام البشر ، ما في ذلك ريب ، والقرآن يتعذر تحديده بالتعاريف المنطقية ذات الأجناس والفصول والخواص ، بحيث يكون تعريفه حداً حقيقياً ، ويذكر العلماء له تعريفاً يقرِّب معناه ، ويميِّزه عن غيره .
يقول الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله : ” أما ما ذكره العلماء من تعريفه الأجناس والفصول ، كما تُعرف الحقائق الكلية ، فإنما أرادوا به تقريب معناه ، وتمييزه عن بعض ما عداه ، مما قد يشاركه في الاسم ولو توهماً ، ذلك أن سائر كتب الله تعالى والأحاديث القدسية ، وبعض الأحاديث النبوية ، تشارك القرآن في كونها وحياً إلهياً ، فربما ظن ظانٌّ أنها تشاركه في اسم القرآن أيضاً ، فأرادوا بيان اختصاص الاسم به ، ببيان صفاته التي امتاز بها عن تلك الأنواع ” .
فالقرآن له تأثيرات عجيبة على استثارة المشاعر ، والسيطرة عليها ، وتوجيهها لله عز وجل ، وليس ذلك فحسب ، بل إن للقرآن خاصيةً عجيبة لا توجد في غيره ، وهي قدرته على جعل مَن يتعامل معه بطريقة صحيحة في حالة دائمة من الهمّة والنشاط ، والتوقد والإيجابية ، وذلك من خلال توليده المستمر للطاقة داخل نفس صاحبه كلما قرأ وتجاوب معه ، وتأثرت به مشاعره ، هذه الطاقة ستدفعه ليصرفها في أعمال البر المختلفة .
وتتأكَّد حاجتنا إلى القرآن الكريم ، حينما ندرك يقيناً أن القرآن له دور كبير في علاج أمراض القلوب ، وعلى رأسها مرض العُجب ، وما يُحدِثه هذا المرض في نفس الإنسان مِن تعاظم واستعظام على الآخرين ، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) ( يونس : 57 ) .
ويعرفنا القرآن كذلك بطبيعة النفس ، وبأنها أمَّارة بالسوء ، لديها قابليه للفجور والطغيان ، تحب الاستئثار بكل خير ، ولا تنظر للعواقب .
فضروري أن يعود المسلم إلى القيمة الحقيقية للقرآن ، التي أنزله الله من أجلها كأداة ووسيلة ربانية للهداية والشفاء ، والتقويم والتغيير قال تعالى : ( إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) ( الإسراء : 9 ) .
هذا هو دور القرآن الحقيقي ، وما قراءتُه أو حفظه إلا وسائلُ لتيسير الانتفاع بمعجزته ، ومعنى ذلك أنه ينبغي على جيلنا الحالي – إذا كان يريد نصراً وتمكيناً – أن يُقبِل على القرآن بكيانه ، وأن يفرِّغ له أكبر وقت لديه ، وينشغل به ، ويجعله مصدره الأول للتلقِّي ، ومما يعينه على ذلك أن يخصص له وقتاً كل يوم ، وأن يقرأه في مكان هادئ ، بعيداً عن الضوضاء ، لتحسن استفادته منه ، والتعبير عن مشاعره تجاه الآيات بالبكاء والدعاء ، وعليه كذلك أن يهيئ قلبه وفكره للتلاوة بتذكر الموت والآخرة ، فقد قال تعالى : ( نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ) ( ق : 45 ) [1] .
وقد أدرك سلفُ الأمة هذا الدور للقرآن والحاجة إليه ، فكانوا يتعاهدون القرآن الكريم علماً ، وتعلُّماً ، وتعليماً ، وكانت لهم في ذلك عناية ورعاية خاصة ، ومما يدل على ذلك ما ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : إن كل مؤدب يحب أن يُؤتى أدبه ، وإن أدب الله تبارك وتعالى القرآن .
وعن الأعمش قال : مرَّ أعرابي بعبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهو يُقرئ قوماً القرآنَ ، أو قال : وعنده قوم يتعلَّمون القرآن ، فقال : ما يصنع هؤلاء ؟ فقال ابن مسعود : يقتسمون ميراث محمد صلى الله عليه وسلم [2] .
وورد أيضاً عن عمرو بن قيس السكوتي ، قال : سمعت عبدالله ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول : عليكم بالقرآن ، فتعلَّموه وعلِّموه أبناءكم ، فإنكم عنه تسألون ، وبه تجزون ، وكفى به واعظاً لمن عقَل [3] .
كذلك مِن حثِّ الصحابة على تعلُّم مَن بعدهم للقرآن وتعليمه ، لازدياد الأجر والمثوبة والهداية : قولُ كعب : عليكم بالقرآن ، فإنه فهم العقل ، ونور الحكمة ، وينابيع العلم ، وأحدثُ الكتبِ بالرحمن عهداً ، وقال في التوراة : يا محمد ! إني منزل عليك توراةً حديثة ، تفتح بها أعيناً عمياً ، وآذاناً صُماً ، وقلوباً غُلفاً .
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : ” إن هذا القرآن كان لكم أجراً ، وكائن لكم ذِكراً ، وكائن بكم نوراً ، وكائن عليكم وزراً ، اتَّبعوا هذا القرآن ، ولا يتبعنكم القرآن ، فإنه من يتبع القرآنَ يهبط في رياض الجنة ، ومن اتَّبعه القرآنُ يزج في قفاه ، فيقذفه في جهنم ” [4] .
حفظ القرآن الكريم من خصائص هذه الأمة :
ولا يزال حفظ القرآن شعاراً لهذه الأمة ، وشوكةً في حلوق أعدائها ، تقول المستشرقة لورا فاغليري : ” إننا اليوم نجد – على الرغم من انحسار موجة الإيمان – آلافًا من الناس القادرين على ترديده عن ظهر قلب ، وفي مصر وحدها عددٌ من الحفَّاظ أكثر من عدد القادرين على تلاوة الأناجيل عن ظهر قلب في أوروبا كلها ” .
ويعترف أحد مَن حُرِموا نورَ القرآن بهذه الميزة والخاصية ، إذ يقول جيمس منشيز : ” لعل القرآن هو أكثر الكتب التي تُقرأ في العالم ، وهو بكل تأكيد أيسرها حفظاً ” [5] .
كيفية العودة إلى القرآن الكريم :
ما دامت حاجتنا إلى القرآن ملحةً لهذه الدرجة ، وما دام تعلُّمه له هذه الأهمية ، وما دمنا قد وصلنا في هذا العصر إلى هذه الدرجة مِن هجْرنا لروح القرآن ، وتدبُّره ، والانتفاع به – إلا من رحم ربي – فيرد السؤال : كيف نعود إلى القرآن ، وكيف ننتفع به ؟
وللإجابة عن هذا السؤال ، لا بد أن نعلم يقيناً أن القرآن هو حبل الله الذي أنزله من السماء ، ليخلصنا مما نحن فيه ، وأنه مشروع النهضة للأمة جمعاء ، ومن هنا علينا أولاً بالاعتصام بهذا الحبل ، والإقبال عليه إقبال الظمآن على الماء ، بل أشد ، وأن نعطيه أفضل وأكثر أوقاتنا ، فالحل يقيناً للخروج من المأزق الذي نعيش فيه ، يبدأ بالتمسك بهذا الكتاب ، فإذا ما تمّ لنا ذلك – وهو يسير لكل من أراده بصدق – فعلينا ثانياً أن ندعو الناس إليه ، ونبث فيهم روحه ، وننتشل من نستطيع انتشاله من جاذبية الأرض والطين ، لنربطه بحبل القرآن ، وأن نستمر على ذلك ، حتى موعود الله سبحانه ، لأن المتأمل في القرآن يجد أنه يعيد تشكيل العقل من جديد ، ويصوب كل فكرة خاطئة لديه ، ويبني فيه اليقين الصحيح لكل الأفكار والمعتقدات .
ندرك ذلك تماماً ، حين ندقّق النظر في العديد من الوسائل التي يستخدمها في ترسيخ المفاهيم الصحيحة في اللاشعور ، ومن أهم هذه الوسائل : الإقناع ، وتَكرار الموضوعات .
أما الاقتناع ، ففيه يبرز احترام القرآن للعقل ، ودوام مخاطبته وإقناعه بأهمية الفكرة المطروحة ، والقارئ المتدبِّر للقرآن يجد المولى – سبحانه وتعالى ، وهو الكبير المتعال – يخاطب عقولنا ، ويبيِّن لنا الكثيرَ من الأمور ، التي من شأنها أن تقنعنا بما يريده منا ، بل إنه سبحانه وتعالى يدعونا في كتابه إلى استخدام عقولنا والتفكير في كلامه ، كقوله تعالى : ( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) ( البقرة : 266 ) لنقتنع بما يحمله هذا الكلام من معانٍ وأفكار ، فينتقل ذلك كلُّه إلى اللاشعور ، ويترسخ فيه لينطلق بعد ذلك السلوك المعبِّر عنها بصورة تلقائية .
وأما تَكرار الموضوعات ، فالمتتبع للموضوعات المطروحة فيه ، يجدها متكررةً ومتشابهةً كما قال تعالى : ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) ( الزمر : 23 ) وقال : ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا ) ( : 50 ) .
وصرفنا أي : كررناه بأساليبَ مختلفةٍ ، ومن فوائد التَّكرار كذلك أنه يجعل القارئ في حالة دائمة من التذكُّر واليقظة .
وخلاصة القول : إن القرآن يعيد تشكيل العقل ، ويقوم ببناء اليقين الصحيح فيه ، من خلال مخاطبته له بأساليبَ شتَّى مما يؤدي إلى إقناعه بما يحمل من أفكار ، فتنتقل تلك الأفكار بسهولة ويسر إلى منطقة اللاشعور ، وتترسخ فيها ، من خلال تكرارها في السُّور والآيات لتشكل بعد ذلك نقطة بداية قوية لانطلاق السلوك المعبر عنها . والقرآن لا يركز على قضايا بعينها ، بل يرسم في الذهن خريطة شاملة وواضحة للإسلام ، ويعطي كلّ جزء فيها اهتماماً يناسب حجمَه ، فينشأ عن هذا كلِّه تصحيحٌ للمفاهيم الخاطئة ، وتغييرٌ للثوابت الموروثة لتحل محلَّها معاني القرآن وثوابتُه ، وهذا من شأنه أن يحدث وحدة التصور لدى أفراد الأمة ” [6] .
وهذا كله يدعونا إلى المزيد من التأمل في هذا الكتاب الحكيم ، والفكر الدؤوب للوصول إلى طريق تعيدنا إليه . فإن كنا حقاً نريد العودة إلى القرآن والانتفاع به ، واستخدامه كعلاج فعَّال لما نعانيه من أدواء ، فعلينا أن نغيِّر طريقة تعاملنا معه ، وأن يكون همنا من قراءته الانتفاع بمعجزته ، والدخول في دائرة تأثيره ، وهذا يحتاج منا إلى بعض الوسائل العلمية المتدرجة ، التي تعيينا على العودة الهادئة إليه ، وهناك وسائل تساعد المسلم بفضل الله سبحانه على العودة الصحيحة إلى القرآن ، ومنها :
-
الاشتغال بالقرآن .
-
تهيئة الجو المناسب له .
-
القراءة المتأنية .
-
التركيز عند القراءة .
-
التجاوب مع الآيات .
-
أن نجعل المعنى هو المقصود .
-
ترديد الآية التي تؤثِّر في القلب .
-
تعلم الآيات والعمل بها [7] .
