, -

أبو علم الطب ((أبو بكر الرازي))

المدونة

 من هو الرازي؟ النشأة والبداية العلمية

الرازي أبو علم الطب (٢١٥-٣١٣هـ/٨٣٠-٩٢٥م)

محمد بن زكريا أبو بكر الرازي. عالم موسوي، بارز في علوم الطب، والكيمياء، والصيدلة، والنبات، والطبيعة، والرياضات، والفلسفة، والمنطق.

 وقد صنف الرازي في هذه العلوم كلها كما كان أديبًا وناظمًا للشعر.

ويعد الرازي في رأى مؤرخ العلوم: “جورج سارتون” أبا للطب فى الحضارة الإسلامية.

 مسيرة الرازي بين الري وبغداد مسيرة علم وبحث

ولد الرازي بمدينة: “الري، بإيران، وعاش الرازي زمنًا من حياته بمدينة: “الري”، يطلب العلم في مجالسها العلمية ومساجدها، ثم رحل إلى مدينة بغداد عاصمة العلم والثقافة فى زمانها، ثم عاد إلى مدينة: “الري”، تلبية لطلب أميرها: ‘منصور بن إسحق’.

وفى الری تولى الرازي إدارة بيمارستان مدينة الري، أي: مستشفاه.

وظل الرازي يدير أمور هذا البيمارستان إلى أن استدعاه إليه الخليفة المعتضد بالله العباسي، وأسند إليه أمور البيمارستان العضدي، فشيده الرازي له على أحدث مستوى، وأدار أموره.

وصار الرازي شيخا للأطباء في زمانه. وقد آتقن علم الجراحة نظريا لكثه لم يمارس الجراحة عمليًّا.

 الكيمياء عند الرازي بين النظرية والتطبيق

كما أتقن علم الكيمياء، ومهر في الجانب التطبيقي من هذا العلم، وقد عزز الرازي مهارته في الكيمياء بدراسته لعلم النبات، وبخبرته العالية في صناعة الأدوية النباتية المفردة والمركبة، فصار من أبرز الصيادلة المسلمين.

 الرازي فيلسوفا

وقد درس الرازى الفلسفة الإغريقية، وأعجب بفلسفة سقراط خاصة، وله فى الفلسفة بعلم المنطق مصنفات عديدة. وفقد الرازى نور عينيه فى آخر عمره بسبب ماء نزل فيهما. لم يسمح لأحد أن يجرى له عملية قدح فى عينيه.

 إنجازاته العلمية في علوم الطب

وللرازي في الطب إبداعات عديدة:

كان حريصًا في علاجه لمرضاه على مساءلة المريض عن مرضه، ولا يمل هذه المساءلة. وكان يسجل نتائج مساءلاته في أوراق خاصة بكل مريض، كما يفعل أطباء عصرنا هذا،  ويدون بهذه الأوراق ملاحظاته الخاصة على أمراض هؤلاء المرضى.

كذلك كان الرازى يهتم بمعرفة سوابق مرض المريض البعيدة والقريبة، ويسعى لمعرفة سوابق هذا المرض الوراثية في أسلاف هذا المريض.

وكان الرازي حريصا على تبويب كل حالة مرضية على حدة، وإثبات ما يراه من فروق بين الحالات المرضية المتشابهة الأعراض، وذلك ما يعرف الآن باسم التشخيص التفريقي، أو المقارن.

ومثال ذلك: تفريقه بين الحصبة والجدري، وأعراض كل منهما الجلدية.

كذلك كان الرازي يلزم نفسه باستخدام ما يسمى حديثا بالتشخيص بالعلاج، ويظهر ذلك في كتابه الطبي عن القولنج.

وكان الرازي يرى أن صناعة الطب، مثل الفلسفة، لا تحتمل التسليم للرؤساء في الطب ولا بالقبول منهم بكل ما قالوه، وترك الاستقصاء المتجدد اكتفاء بما قالوه.

 أوليات الرازي التي سبق بها في علوم الطب

والرازي هو أول من اهتم بالحيوان لما يتفاعل مع المواد الكيميائية في جسم الإنسان، وحالته الصحية، وما يعتريه من الأمراض.

 استخدام الرازي للحيوانات في التجارب الطبية

والرازي هو أول من استخدم القردة لتشريحها، ومعرفة تركيب جسم كائن هو أقرب المخلوقات تشريحيا لجسم الإنسان.

وهو أول من استخدم القردة الحية لإجراء تجاربه الدوائية عليها، لمعرفة تأثير بعض الأدوية في أجسامها، قبل تجريب هذا التأثير على الإنسان.

وكانت للرازي في مجال الطب العلاجي إبداعات وإنجازات وأوائل غير مسبوقة. 

والرازي كطبيب معالج، كان يتتبع تأثير اختباره للدواء الذى يعطيه لبعض مرضاه في علة ما، ويحجبه عن بعضهم الآخر في العلة ذاتها، ثم ينكب على دراسة نتائج هذا الاختبار، ليعرف مدى فاعلية الدواء، وأثره في المرض والمرضى، تماما كما تفعل اليوم المؤسسات العلمية الدوائية.

ولقد كان الرازي من أوائل الأطباء في العالم الذين درسوا واهتموا بالعدوى الوراثية، ويالأمراض التناسلية، ويأمراض النساء والأطفال، وبأمراض الأسنان، والأنف، والأذن،  والحنجرة، والعين.

كما كان من العلماء المسلمين الذين يقولون بأن العين إنما تبصر الأشياء بالأشعة الصادرة من هذه الأشياء.

واهتم الرازي بدراسة الأحوال النفسية لمرضاه، وأثر هذه الأحوال على المرضى، وعلى تطور أمراضهم.

وكان الرازي  يوصى تلامذته من الأطباء بأن يوهموا مرضاهم أبدا بالصحة، ويرجونهم بها،  حتى لو كانوا غير واثقين من شفائهم، لأن الجسم تابع لأحوال النفس، من أمل، أو يأس.

 ابتكارات الرازي في الجراحة والتعقيم

وقد برع الرازي  كطبيب جراح، في وصف بعض العمليات الجراحية، وكيفية إجرائها لمن يمارسونها، لكته لم يمارس الجراحة بيده، فقد كانت الجراحة حتى ذلك الحين من عمل الحجامين.

 رأي الرازي في البصريات وتشريح العين

والرازي هو أول من لاحظ تأثر حدقة العين بالضوء، وقد شرح كيفية هذا التأثر والسبب في أن النواظر تضيق في النور، وتتسع في الظلمة، في كتابه الطبي الهام: الحاوي في الطب.

وإلى الرازي وحده ينسب الفضل في ابتكار وضع الفتيلة المعقمة في الجروح، وتغييرها من يوم إلى يوم مع الضماد، والرازي هو أول من صنع وركب مراهم من الزئبق لمعالجة قمل الأهداب، وأول من استخدم بعض المستحضرات الكيميائية عن طريق تقطير المواد النشوية والسكرية لاستخدامها في صنع بعض الأدوية، وفي العلاج، وفي تطهير بعض الجروح والأدوات الجراحية.

وإلى الرازي يرجع الفضل في تحضير زيت الزاج، أو حامض الكبريتيك، وفي تحضير بعض السوائل السامة من روح النشادر.

والرازي هو أول من ميز الفرق بين الصودا والبوتاس، وأول من استخدم الفحم الحيواني في عملية قصر الألوان والروائح من المواد العضوية، وإلى الرازي يرجع الفضل في تقدير الكثافة النوعية، لعدد من السوائل بواسطة ميزان خاص.

 الرازي فيزيائيا، وبحثه في القوة المغناطيسية، والوزن، وحركة الأرض

ولعل الرازي هو أول من بحث في القوة المغناطيسية الجاذبة، وارتكز عليها فى بيان سبب وقوف الأرض وسط ذائرة السماء ودورانها.

 مؤلفاته

وقد أورد البيروني قائمة بأعمال الرازي بها ۱۸٤‏ مؤلفًا بين كتاب ومقالة ورسالة، منها ٥٦ في الطب، و٣۲ في الطبيعيات، و٢١‏ في الكيمياء، و١١‏ في الرياضيات والفلك، والباقي في علوم وفنون أخرى، وقد تُرجمت بعض كتب الرازي إلى لغات متعددة، منذ القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي، منها: اللاتينية والعبرية والألمانية والفرنسية والإنجليزية.

ومؤلفات الرازي في الطب هي ثلاث موسوعات طبية، وكتب عامة، ورسائل.

الموسوعات هي:

(أ) الحاوي في الطب، وهو كتاب ضخم موسوعي يؤرخ لصناعة الطب عند من سبقه من الأطباء العرب وغير العرب، وهو أول مرجع جامع لصناعة الطب، صنفه الرازي ليكون تذكرة له ولمن يأتي بعده، وقد تُرجم إلى اللاتينية في القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي، وجمع الرازي في كتابه هذا ما اكتسبه من خبرات ذاتية، وما اكتسبه غيره بالممارسات والتجارب والثقافة الطبية، ليكون مرشدًا لطلاب الطب في صناعة الطب.

(ب) والجامع الكبير، وهو موسوعة طبية أخرى له جمعت بين الطب العملي والطب النظري.

(ج) والفاخر، وهو موسوعة طبية للرازي عن الأمراض من الرأس إلى القدم.

وكتبه العامة هي:

المرشد، أو الفصول في الطب، وقد کتبه الرازي في أواخر حياته بشكل منظم ومبوب، وشرح فيه بعض النظريات الطبية.

وله: محنة الطب وكيف ينبغي أن يكون، وإثبات الطب، والمدخل إلى الطب الصغير، وأطعمة المريض، والفالج واللقوة، والمنصوري، وهو مختصر في الطب جمع فيه الرازي بين الطب والعمل في عشر مقالات.

وله: الطب الملكي، وهو في الأمراض، وعلاجها كلها بالأغذية المشهورة والموجودة في كل مكان.

وله: تقاسيم العلل، أو التقسيم والتشجير، أو المشجرة”، ويقع في ١٥٩ فصلًا، منها ١٨ فصلًا عن أمراض العين و٤٦‏ فصلًا عن الأدوية المركبة.

وله كتاب فريد بعنوان: برء ساعة، وقد عالج فيه الرازي أمراضًا كثيرة منها: وجع الأسنان، وزحار الأطفال، والشقيقة أو الصداع النصفي والحكة، والخروق، والصرع، والزكام، والطنين في الأذن وسواها.

وله: الفصد، والأشياء المقاومة للأمراض، وسر الصناعة الطبية، واختلاف الدم، وطب الأطفال، والأدوية المسهلة الموجودة في كل مكان، ووجوب الاستفراغ في أول الحميات، والصيدلة، والأدوية المركبة، ومنافع الخل الممزوج بالعسل، والألبان، وماء الجبن، وعلاج العين بالجراحة، ومنافع الأغذية ومضارها، وتقديم الفاكهة قبل الطعام وبعده.

وله رسائل طبية عن: هيئة القلب، وهيئة الكبد، وهيئة الأنثيين، وهيئة الصماخ، وتولد الحصبة، والقولنج، والنقرس وأوجاع المفاصل، وطب الفقراء، وسر صناعة الطب، وخلق الإنسان، والتحفظ من النزلة، والتداوي من النزلة، وأخلاق الطبيب، والجبر والخلع، والكلى والمثانة، ونضال الطبيب المحترم ضد التهريج، ومحنة الطبيب، والحمية المفرطة، وقلة الأغذية، والاستكثار بالأدوية ضار بالصحة، واللذة، والباه منافعه ومضاره ومداواته، وتكثير المني وتغزيره.

ومن كتبه الأخرى في الطب والصيدلة: الكافي في الطب، والأقرباذين الكبير، والأقرباذين المختصر، وله: تجارب البيمارستانات، وهو في العلاجات الطبية السريرية.

وللرازي مؤلفات في الكيمياء، هو سر الأسرار، والأسرار”، وسر الحكماء، والتجارب، والتدبير، والتبويب، وشرف الصنعة، والمدخل التعليمي لمن يريد العمل بالصنعة، والحجر الأصفر، وعلل المعادن، والخمائر.

وله في الطبيعيات: العلة التي من أجلها تضيق النواظر في النور وتتسع في الظلمة، وشروط النظر، وكيفية الإبصار، والخلاء والملاء، وهما الزمان والمكان، وعلة جذب المغناطيس للحديد، والأفكار الخاطئة في الفيزياء، ومحنة الذهب والفضة، والميزان الطبيعي،‏ وهو في الثقل النوعي.

وله في الفلك: شكل العالم، والهيئة، وسبب وقوف الأرض وسط السماء، وفي أن الأرض كروية، وفي أن للأرض قطبان تدور حولهما، وتحرك الفلك على استدارة، وفيه شرح لكروية الأرض ودورانها.

 الخلاصة

أبو بكر الرازي، عالم موسوعي فريد، يُعد “أبا الطب في الحضارة الإسلامية” لإسهاماته الرائدة في الطب والكيمياء والفلسفة. قاد البيمارستانات وابتكر التشخيص التفريقي، فميّز بين الحصبة والجدري، واستخدم الحيوانات في التجارب، وركز على الجانب النفسي للمريض. ترك أكثر من ١٨٠ مؤلفًا، أشهرها “الحاوي في الطب”، وأثرت أعماله في أوروبا، ليكون مدرسة طبية متكاملة سبقت عصره.

تدوينات ذات صلة

خطبة بعنوان: قصة جريج العابد وما فيها من الفوائد.

الخطبة الأولى إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ

المسلمون قديما

كان المسلمون قديمًا شكلاً مهمًا في تاريخ الإنسانية. لقد قدموا للعالم إرثًا ثقافيًا وحضاريًا غنيًا وتأثيرًا عميقًا عبر العصور. تأريخهم غني بالتطورات والمساهمات في مجموعة متنوعة من المجالات. سيتم تسليط الضوء في هذا المقال على بعض

حين اسودّت المدينة… وأضاء الإيمان قلب أبي بكر

من المولد إلى الوفاة: نظرة تأصيلية على سيرة النبي محمد ﷺ وموقف أبي بكر يوم وفاته تمهيد تشكل سيرة النبي محمد بن عبد الله ﷺ اللبنة الأساسية لفهم الإسلام تاريخًا وروحًا. وقد بدأ هذا التاريخ بميلاد