, -

أبو القاسم الزهراوي: عبقري الأندلس ومؤسس علم الجراحة الحديثة

المدونة

أبو القاسم الزهراوي: عبقري الأندلس ومؤسس علم الجراحة الحديثة

الزهراوي (٣٢٥-٤٠٤ هـ / ٩٣٦-١٠١٣م)خلف بن عباس أبو القاسم الزهراوي الأندلسي، عالم طب وجراح، وعالم بالأدوية وتركيبها. ولد الزهراوي بالزهراء من ضواحي مدينة قرطبة ونشأ بها، وتعلم الطب بجامعة قرطبة على أيدي أطبائها، وبرع في الطب فأصبح طبيب الخليفة الأموي الحكم الثاني.

 إنجازاته العلمية

وللزهراوي في الطب منجزات وإبداعات علمية صارت حديث العلماء في الشرق والغرب، في عصره وبعد عصره، فهو أول من أسس علم الجراحة العامة في العالم، وأول من مارس الجراحة بيديه من بين الأطباء العرب السابقين له والمعاصرين، فقد كان الحجامون هم الذين يقومون بالعمليات الجراحية، تحت إشراف الأطباء الباحثين كعلماء في الجراحة.

وقد وضع الزهراوي منهجًا صارمًا لممارسة العمل الجراحي، يقوم أولًا على دراسة تشريح الجسم البشرى، ومعرفة كل دقائقه، ويعتمد ثانيًا على ضرورة المعرفة التامة بمنجزات علماء الطب في الجراحة والاستفادة من خبراتهم النظرية السابقة، وتعتمد ثالثًا على التجربة والمشاهدة الحسية والممارسة العملية التي تكسب الطبيب الجراح براعة ومهارة في الجراحة.

والزهراوي هو أول رائد لفكرة الطباعة في العالم، فلقد خطى الخطوة الأولى في صناعة الطباعة، وسبق بها “يوحنا جوتنبرج” الألماني بعدة قرون، وقد سجل الزهراوي فكرته عن الطباعة ونفذها، في المقالة الثامنة والعشرين من كتابه الفذ: “التصريف”.

ووصف في الباب الثالث من هذه المقالة، ولأول مرة في تاريخ الطب والصيدلة كيفية صنع الحبوب (أقراص الدواء) وطريقة صنع القالب الذي تصب فيه هذه الأقراص أو تحضر، مع الطبع لأسمائها عليها في الوقت نفسه، باستخدام لوح من الأبنوس أو العاج مشقوق نصفين طولًا، ويحضر في كل وجه قدر غلظ نصف قرص، وينقش على قعر أحد الوجهين اسم القرص المراد صنعه مطبوعًا بشكل معكوس، فيكون النقش صحيحًا عند خروج الأقراص من قالبها، وذلك منعًا للغش في الأدوية، وإخضاعها للرقابة الطبية.

كذلك كان الزهراوي المبتكر الأول لعملية القسطرة وصاحب فكرتها والمبتكر لأدواتها، وقد وصف الزهراوي عملية غسل المثانة، وأدخل إليها بعض السوائل المطهرة بواسطة آلات ابتكرها، ورسم في كتابه التصريف صور هذه الآلات.

كذلك ابتكر الزهراوي آلة دقيقة جدًّا لمعالجة انسداد فتحة البول الخارجية عند الأطفال الحديثي الولادة، لتسهيل مرور البول.

كما نجح الزهراوي في إزالة الدم من تجويف الصدر، ومن الجروح الغائرة كلها بشكل عام.

وفي الجراحة العامة يعد الزهراوي أول من أجرى عملية شق القصبة الهوائية “تراكيو تومي” على خادمه ونجح فيها، وكان الأطباء قبله مثل ابن سينا والرازي قد أحجموا عن إجرائها لخطورتها.

والزهراوي هو أول من نجح في إيقاف نزيف الدم، أثناء العمليات الجراحية بربط الشرايين الكبيرة، وسبق بهذا الربط سواه من الأطباء الغربيين بستمائة عام، وقد ادعى هذا الابتكار لنفسه الجراح امبرواز باري عام ١٥٥٢م.

والزهراوي هو أول من صنع خيوطًا لخياطة الجراح، واستخدمها في جراحات الأمعاء خاصة، وقد صنع الزهراوي هذه الخيوط من أمعاء القطط.

وهو أول من ابتكر التدريز أو التخطيط المثمن في جراحات البطن.

وأول من مارس تخييط الجراح من الداخل، كي لا تترك أثرًا مرئيًا للجراح، وقد أطلق على هذا العمل اسم “إلمام الجروح تحت الأدمة ، وبذلك يعد الزهراوي رائدًا أيضًا في أولى عمليات جراحات التجميل.

وهو أول من استخدم خياطة الجراح بإبرتين وبخيط واحد مثبت فيهما.

وهو أول من طبق في كل العمليات الجراحية التي كان يجريها، في النصف الأسفل للمريض، رفع حوض المريض ورجليه قبل كل شيء، فسبق بهذا العمل الجراح الألماني: “فريدريك تردلينو بورغ” بنحو من ثمانمائة عام.

ويعد الزهراوي، في نظر معظم الباحثين أول من فهم بداية انتشار الأورام السرطانية ووصفها، ووضع شروط معالجة هذه الأورام في بدايتها.

وقد ابتكر الزهراوي عددًا من الآلات والأدوات الجراحية التي استخدمها في إجراء هذه العمليات؛ وصنعها من حديد لا يصدأ، وقد كانت تصنع قبله من الذهب والفضة، وتفتقد القدرة على القطع الحاد والسريع، وقد تحدث الزهراوي عن هذه الآلات في المقالة الثلاثين من كتابه “التصريف”.

ومن هذه الأدوات آلات مستخدمة في جراحات الفم والفك والأسنان وأنف والأذن والحنجرة والحلق، وآلات استخدمها في الجراحات النسائية، وجراحات التوليد، وآلات استخدمها في الجراحات العامة والشق والبط، وآلات استخدمها في جراحات العظام، وأدوات الكي للجراح والنتوءات، ومن هذه الآلات الأجفان، والصنانير وذات الشعبتين، والعتلات، والكلاليب والمبارد، والمجارد، والمكاوي، والمناشير، والمكابس والرمانة والمباضع، والمقصات والأنابيب، والبرد، والمقادح، والمقدات، والقصبات واللوالب، والمباخر، والسكاكين، والمدسات، والمزارق، والمسابير، والمشارط، والمشعبات والجبائر، والمثاقب، والمقاطع، والمكاشط، والفئوس، والمحاقن، وخشبات التجبير، ولقد بلغ عدد هذه الآلات والأدوات ۱۰۸ آلة جراحية.

 

 مؤلفاته

وللزهراوي من المؤلفات كتاب: “التصريف لمن عجز عن التأليف”، وهو الكتاب الوحيد والفريد للزهراوي، وهو أول كتاب طبي في الجراحة يقبله العقل، وأروع كتاب طبي لعالم طبيب في الحضارة الإسلامية، وهو في ثلاثين مقالة تبحث في الطب النظري والعملي والأمراض والمعالجة والأدوية المفردة والمركبة والأدوات والآلات الجراحية، وقد وضع الزهراوي في فاتحة كتابه القواعد الكلية للتشخيص العلمي والمعالجة، وآداب الطب وأخلاقيات مهنة الطب.

وفي المقالة الأولى: تحدث الزهراوي عن أغراضه من تأليف هذا الكتاب، وعن تجاربه وخبراته خلال خمسين سنة من ممارسته للطب والجراحة، واستعرض خبرات من سبقوه، وساق تعريفه للطب بأنه علم وعمل بالأسباب والدلائل، وقدم في هذه المقالة الأولى فصولًا وصفية وتشريحية للعظام والأعصاب والعروق، والدماغ وأعماله الثلاثة في التخيل والفكر، والتذكر، ووصف الأذن والأنف والأحشاء وطبقات العين، وسائر أعضاء الجسد من الرأس إلى القدم، وتحدث عن الأدوية وتركيبها.

 

 الخلاصة

أبو القاسم الزهراوي: من مدينة الزهراء بالأندلس، يُعدّ رائدًا عالميًّا في الطب والجراحة، كان أول من أسس علم الجراحة العامة وطبَّقه عمليًّا، مبتكرًا العديد من التقنيات الجراحية كربط الشرايين وخياطة الجروح من الداخل، وحتى عمليات التجميل الأولية، كما يُنسب إليه السبق في فكرة الطباعة وصنع أقراص الدواء المطبوعة، له مؤلفات عديدة ضم فيها خلاصة خبرته العلمية وأبرزها كتابه الفريد “التصريف لمن عجز عن التأليف”

تدوينات ذات صلة

تاريخ المسلمين في الأندلس

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:  لا يخفى عليكم، أن دراسة والاطلاع ومعرفة التاريخ الإسلامي مهم جدًا للمسلمين حتى يعرفوا تاريخهم ويعرفوا تضحية آبائهم وأجدادهم وما قدموه وبذلوا فيه من

من رعاة غنم إلى قادة أمم

 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: أوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله رحمكم الله، واطلبوا الكرامةَ في التقوى، والأُنسَ في كتاب الله، والغِنىَ في القناعة، والنجاةَ

هاري سانت جون بروجر فيلبي

 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:  هاري سانت جون بروجر فيلبي، الذي أصبح لاحقًا الحاج عبدالله فيلبي بعد اعتناقه الإسلام، هو أحد أعمدة العملاء والنشاط الاستخباراتي البريطاني في المنطقة العربية.